الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
109
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكلام الذي قبلها فلا شبهة في أن الواو للحال وأنه المعنى المراد وهو الغالب ، وإن كان ما بعدها من كلام آخر فهي واو العطف لا محالة عطفت ما بعدها على مضمون الكلام الأول على معنى التلقين ، وذلك كما في قوله تعالى : قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ « 1 » [ الزمر : 43 ] وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، فإن مجيء همزة الاستفهام دليل على أنه كلام آخر ، وكذلك بيت : « قالت بنات العم » المتقدم ، وإن كان ما بعدها من جملة الكلام الأول لكنه منظور فيه إلى جواب سؤال يخطر ببال السامع فالواو للاستئناف البياني الذي عبر عنه الرضي بالاعتراض مثل قول كعب بن زهير : لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم * أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل فإن موقع الشرط فيه ليس موقع الحال بل موقع رد سؤال سائل يقول : أتنفي عن نفسك الذنب . وقد كثر القول في إثباته . وقوله : لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أي لا يدركون شيئا من المدركات ، وهذا مبالغة في إلزامهم بالخطإ في اتباع آبائهم من غير تبصر ولا تأمل ، وتقدم القول في كلمة شيء . ومتعلق وَلا يَهْتَدُونَ محذوف أي إلى شيء ، وهذه الحالة ممتنعة في نفس الأمر ؛ لأن لآبائهم عقولا تدرك الأشياء ، وفيهم بعض الاهتداء مثل اهتدائهم إلى إثبات وجود اللّه تعالى وإلى بعض ما عليه أمورهم من الخير كإغاثة الملهوف وقرى الضيف وحفظ العهد ونحو ذلك ، ولهذا صح وقوع ( لو ) الشرطية هنا . وقد أشبعت الكلام على ( لو ) هذه ؛ لأن الكلام عليها لا يوجد مفصلا في كتب النحو ، وقد أجحف فيه صاحب « المغني » . وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد ؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل اللّه ، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل اللّه « 2 » . [ 171 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )
--> ( 1 ) في المطبوعة ( قل أو لو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) ولم أجدها في « معجم عبد الباقي » مادة يعقلون ويهتدون . ( 2 ) قال الألوسي : « في الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر ، وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه ملحق فاتباع في الحقيقة لما أنزل اللّه تعالى ، وليس من التقليد المذموم في شيء ، وقد قال سبحانه : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * [ النحل : 43 ] « روح المعاني » ( 2 / 40 ، 41 ) ، ط المنيرية .